العلامة الحلي

11

نهاية المرام في علم الكلام

بالنسبة إلى هذا دون ذاك ، فالتجرّد مغاير للتعقّل . الثالث : لو كان العلم هو التجرّد لاستحال اجتماع علمنا بكون الشيء مجرّدا عن المادّة وعلائقها - من الوضع وقبول الإشارات وغير ذلك - وجهلنا بكون الشيء عالما ؛ لامتناع صدق إيجاب الشيء على غيره وسلبه عنه ، لكن التالي باطل ، فإنّا قد نعلم كون الشيء مجرّدا عن المادة وعلائقها ونجهل كونه عالما بشيء البتة ونفتقر بعد ذلك إلى الاستدلال ، فلا يجوز أن يكون كون الشيء مجرّدا عبارة عن كونه عالما ، ولا داخلا فيه مقوما له ، بل بعد العلم بتجرّده نشكّ في كون ذلك المجرّد عالما ، ومن المستحيل أن تكون الحقيقة الواحدة معلومة مجهولة دفعة واحدة ، فثبت أنّ التعقّل والتجرّد متغايران . الرابع : أنّنا نفرق بالضرورة بين حال تجدّد العلم لنا بشيء وبين حالنا قبله ونميز بينهما ؛ فإنّا قبل ذلك العلم - لنا - لا تكون لنا صفة العالمية ولا يحصل لنا باعتبار عدم هذا الوصف أمر وجودي ، بل لم تحصل زيادة على العدم إليه فوجب أن يكون الفرق إنّما هو حصول أمر لنا بعد العلم « 1 » لم يكن ثابتا قبله . ولا فرق في أنّا نجد أنفسنا عالمين بالشيء وفي أنّنا مريدين له ، فإنّ كلّ واحد منهما حاصل بعد أن لم يكن ، وإنّما نميّز بينهما وبين سائر الأحوال النفسانية « 2 » المدركة لنا ، وأنّ لهذا العلم خصوصية وانفرادا عن غيرها ، وذلك لا يكون إلّا إذا كانت تلك الحالة أمرا ثبوتيا . فقد ظهر أنّ التعقّل لا يجوز أن يكون أمرا عدميا ، ولا سلب المادة ولا غيرها . نعم قد يلزمه ذلك ، لكن أخذ لازم الشيء مكانه اغلوطة .

--> ( 1 ) - ج : « العدم » . ( 2 ) - كالغضب والشهوة والإرادة والقدرة .